التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عين السفاحية

عين السفاحية نهاية التسعينات في جزيرة النبية صالح


البحرين عرفها العالم بأنها بلد المليون نخلة وموطن أجود أنواع اللؤلؤ، فيما أحبها أهلها لعيونها الطبيعية وينابيعها الفياضة التي باتت مضرب المثل بعذوبة مائها ونقاوته، إنها البحرين صاحبةُ العيون التاريخية المتدفقة خيراً وعطاءاً منذ قديم الأزل، إلى أن جاء التطور الحضاري والعمراني ليطمس تلك المعالم ويُخلّف وراءه آثاراً يقف المُحب عليها ليتذكر أياماً مضت، ويتحسف على إرثٍ ذهب.

جزيرة النبيه صالح، إحدى قرى البحرين التي أشتهرت بعيونها العذبة، والتي لم يرحمها الزمان حتى قضى على كُل عيونها وهي: عين السفاحية، عين الخضرة، عين الصغيرة،  بالإضافة إلى كواكبها -وهي نبعٌ من الماء أصغر من العين- وأبرزها: كوكب الشيخ، كوكب ناصر، كوكب الفراح، كوكب الحلة، كوكب العرائس، كوكب السايس.

وتشكل العيون والكواكب والآبار مصدر الحياة لأهالي النبيه صالح، فقد كانت جداول المياه تمر على البيوت والمنازل لينتفع منها الأهالي في أعمالهم اليومية، كما تسقى الحدائق والبساتين، إلا أن نقص المياه الجوفية والملوحة الشديدة من مياه البحر التي تداخلت مع المياه العذبة، جعلت العيون تتلاشى نهائياً لينهار معها الغطاء الزراعي.

وفي هذا الصدد، ألتقت "جريدة الوسط" مع الحاج عباس القطان أحد رجال النبيه صالح الذين عاصروا فترة العيون العذبة في الجزيرة الذي وصفها بـ"الجنة"، متحدثاً عن الحياة بين الماضي في ظل تواجد العيون والحاضر مع اندثارها، قائلاً: "الجزيرة في الماضي كانت جنة، فكل ما تريده من الثمار كان موجوداً (المانغو، الببايا، الرمان، اللوز، التين، القرع وغيرها)، وهذا ليس غريباً فالجزيرة كانت عبارة عن أرضٍ خضراء يحيطها الماء من كل الجهات، فمن الطبيعي أن تنمو تلك الثمار وأكثر، لكن مع جفاف العيون والكواكب بدأت البساتين والأشجار بالموت".

الحاج عباس القطان من أهالي جزيرة النبية صالح - سنة ٢٠١٧م - المصدر: جريدة الوسط

ويستذكر الحاج القطان ذكرياته في ربوع الجزيرة التي عاش بين عيونها الطبيعية سيما عين السفاحية ذات الشهرة الكبيرة بالقول: "أنا شخصياً عشت فترة قوة عين السفاحية، لدرجة إن طفل عمره 10 أو 15 سنة لا يستطيع الوصول إلى قاع العين، وإذا حاول ذلك تراه يطفح بسرعة من قوة دفع الماء، الوحيد من كان يستطيع ذلك هم الكبار أصحاب النفس الطويل. حتى إن السياح كانوا يأتون بكثرة إن العين ويقيمون حوالي أسبوع أو عشر أيام في المنطقة، بالإضافة إلى حضور أهل المنامة والمحرق والحد والبديع.

الحاج عباس القطان واقفاً أمام آثار عين السفاحية المتبقية سنة ٢٠١٧م - المصدر: جريدة الوسط
وتُعد "عين السفاحية" أهم عيون الجزيرة وأكثرها تفقداً، وأُطلق عليها ذلك الإسم نتيجة سفحها القوي للماء، فقد كانت تسقى معظم المزارع حتى يفيض العذب منها، ويقصدها المواطنين والسياح من مختلف البلدان للتمتع بحُسن العين وجمالها، حتى ستينات القرن الماضي عندما بدأ تدفق المياه ينخفض تدريجياً لتجف تماماً في العام 1987، ولتضمحل باقي العيون والكواكب بعد فترةٍ قصيرةٍ منذ ذلك، كان آخرها "كوكب الشيخ" الذي ردمته البلدية بعد جفافه في أغسطس/ آب 2001.



عين السفاحية سنة ٢٠١٧م وقد جف ماءها

عين السفاحية سنة ٢٠١٧م ويظهر مدرج عتبات النزول الى العين

عين السفاحية سنة ٢٠١٧م
عين السفاحية سنة ٢٠١٧م

لافتة تحذيرية من هيئة الثقافة والآثار عند عين السفاحية - ٢٠١٧م - المصدر: جريدة الوسط

عين السفاحية سنة ٢٠١٧م

عين السفاحية - ٢٠١٧م


وعن أسباب جفاف العيون والكواكب من الجزيرة يقول القطان: "قلة الماء من العيون بدأ مع عين السفاحية بداية الستينات أثناء فترة وضع القواعد الأساسية لميناء سلمان، ففي عمليات الحفر التي جرت البحر تقطعت عروق المياه الجوفية التي كانت تصل إلى عين السفاحية وباقي العيون، ولذلك كانت الجزيرة أول القرى المتؤثرة ثم جزيرة سترة والعكر، واستمر في ذلك لمدة عشرين سنة تقريباً حتى جفت عين السفاحية ثم باقي العيون والكواكب".

وقدم الحاج عباس القطان اقتراحاً لإعادة إحياء عين السفاحية والانتفاع منها بدلاً من صورتها الحالية، وهذا ما سيجعل الدولة تستفيد من ناحية فرض ضربية على الدخول إلى العين كما هو الحال في عين عذاري وعين أم شعوم، كما إن الأهالي سيما الكبار في السن والمتقاعدين سيتجمعون فيها لإعادة ذكرياتهم القديمة.

وقد أجرت صحيفة الوسط لقاء مع الحاج عباس القطان حول عين السفاحية سنة ٢٠١٧م

المصدر: أحمد مرهون - صحيفة الوسط البحرينية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشاعر حسن بن علي بن عيسى

بورتريه صورة الشاعر حسن بن علي - معدلة ومنقحة الشاعر حسن بن علي بن عيسى.. صوت  الموال القادم من جزيرة النبيه صالح يُعد الشاعر حسن بن علي بن عيسى بن عبدالله الورد أحد أبرز شعراء الموال الشعبي في البحرين خلال النصف الأول من القرن العشرين، وقد عُرف بين الناس بلقب “السهلاوي” نسبةً إلى قرية السهلة القريبة من عذاري، التي تعود إليها أصول أسرته، فيما وُلد ونشأ في جزيرة النبيه صالح حوالي عام 1899م ، وظلت الجزيرة حاضرة في سيرته وشعره حتى وفاته عام 1387هـ / 1967م . وقد وردت ترجمته ضمن كتاب المجموعة الخامسة من شعراء الموال في البحرين الذي جمعه وحققه الاستاذ مبارك عمرو العماري .   النشأة والعمل بدأ حسن بن علي حياته كغيره من أبناء البحرين آنذاك، مرتبطاً بالبحر ومهنه. دخل مجال الغوص على اللؤلؤ في شبابه، وعمل لمدة عام مع “اليوشع” في مدينة الحد، ثم انتقل للعمل على سفينة من نوع السنبوك يملكها سلمان بن مطر، بقيادة النوخذة الحاج محمد بن حسين السماهيجي، حيث عمل نهاماً لمدة سنتين، وهو المنشد الذي يرفع معنويات البحارة بأهازيجه ومواويله أثناء الرحلات البحرية. وبعد أن ترك الغوص، اتجه إلى ص...

عيسى بن حسن بن علي .. حافظ الموروث الشعبي

  يُعد الحاج عيسى بن حسن  بن علي  بن عيسى ، نجل شاعر الموال البحريني  حسن بن علي بن عيسى ، من الشخصيات الاجتماعية البارزة التي تركت أثراً طيباً في ذاكرة أهالي جزيرة النبيه صالح . وقد جمع في حياته بين العمل والكفاح، والمحافظة على التراث الشعبي، وخدمة المجتمع، وحب أهل البيت عليهم السلام، حتى وفاته عام 2020م . النشأة نشأ عيسى حسن علي في بيتٍ عُرف بالشعر الشعبي والموال، فوالده هو الشاعر حسن بن علي بن عيسى ، أحد أبرز شعراء الموال في البحرين. ومنذ صغره تأثر بهذا الإرث الأدبي، فكان يحفظ مواويل والده ويرددها، إلى جانب الكثير من الأشعار الشعبية التي تناقلها أهل البحرين، محافظاً بذلك على جانب مهم من التراث الشفهي في الجزيرة. كما أنه يُعد خال الشاعر سلمان المجيبل ، الذي واصل الاهتمام بالشعر الشعبي والشعر العربي والتراث البحريني. حياته العملية عمل في وزارة الكهرباء والماء سنوات طويلة، وكان مثالاً للموظف المجتهد والملتزم. ولم يقتصر نشاطه على العمل الحكومي، بل مارس عدداً من المهن التي ارتبطت ببيئة البحرين التقليدية، فقد كان محباً للزراعة، وامتلك عدداً من البساتين (الدواليب) التي...